أبي منصور الماتريدي

495

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : الآية في نسخ الأحكام والشرائع التي تحتمل النسخ « 1 » . فإن كانت في الاستغفار للمشركين ، فإنه ليس هنالك نسخ ؛ لأنه لم يسبق لهم الأمر بالاستغفار ولا الإباحة لهم في ذلك ، فكأنه « 2 » قال : ما كان الله ليجعل قوما ضلالا بالاستغفار بعد أن جعلهم مهتدين حتى يعلموا بالنهي عن ذلك ، والله أعلم . وهو يحتمل ما ذكرنا من استغفارهم للمنافقين قبل أن يتبين لهم ؛ يقول : لا يجعلهم ضلالا بذلك . حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ، أي : حتى يعلموا بالذي يلزمهم الانتهاء عنه ، وهو النسخ ؛ هذا في الأحكام التي تحتمل النسخ . وأما الأحكام التي لا تحتمل النسخ فلا . وأصله : أن كل ما كان في العقل امتناع نسخه فإنه لا يرد فيه النسخ ، وكل ما كان في العقل لا امتناع على نسخه فإنه يجوز أن يرد فيه النسخ .

--> - وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 510 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 1 ) اختلف المتأخرون في موضوع النسخ ؛ فمنهم من ذهب إلى أن النسخ كما يكون في الأوامر والنواهي يكون في الأخبار . وهذا القول شبيه لما حكي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي حيث قالا : ( قد يدخل النسخ على الأمر والنهي وعلى جميع الأخبار ) ولم يفصلا وتابعهما على هذا القول جماعة ، ولا حجة لهم في ذلك من الدراية وإنما يعتمدون على الرواية . . قال أبو جعفر : « وهذا القول عظيم جدّا يؤول إلى الكفر » ؛ لأن قائلا لو قال : ( قام فلان ) ثم قال : ( لم يقم ) ثم قال : ( نسخته ) لكان كاذبا » . وبعضهم ذهب إلى أن أمر الناسخ والمنسوخ موكول إلى الإمام فله أن ينسخ ما شاء ، وهذا القول أعظم ؛ لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا بالوحي من الله تعالى ، إما بقرآن مثله على قول قوم ، وإما بوحي من غير القرآن ، فلما ارتفع هذا بموت النبي صلى اللّه عليه وسلم ارتفع النسخ . ومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي . وأما الأخبار فيفضل فيها بين ما فيه حكم فيجوز النسخ فيه ، وبين ما لا حكم فيه فلا يجوز . ومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي خاصة . وهذا المذهب حكاه هبة الله بن سلامة عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة بن عمار . وهناك مذهب خامس عليه أئمة العلماء : وهو أن النسخ إنما يكون في المتعبدات ؛ لأن لله عزّ وجل أن يتعبد خلقه بما شاء إلى أي وقت شاء ثم يتعبدهم بغير ذلك ؛ فيكون النسخ في الأوامر والنواهي وما كان في معناهما مثل قوله تعالى : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [ النور : 3 ] ، وقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام : قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً [ 47 ] فالأولى مثال للخبر الذي بمعنى النهي ؛ لأن المعنى : لا تنكحوا زانية ولا مشركة . والثانية مثال للخبر الذي بمعنى الأمر ؛ لأن المعنى ( ازرعوا ) وهذا المذهب عزي إلى الضحاك بن مزاحم . ينظر البحر المحيط ( 4 / 63 ) ، شرح الكوكب المنير ص ( 462 ) الآيات البينات ( 3 / 129 ) . ( 2 ) في أ : فإنه .